ابن كثير

437

السيرة النبوية

الأشواط الثلاثة ، وأن يمشوا بين الركنين ، ولم يمنعه أن يرملوا الأشواط كلها إلا الابقاء عليهم . قال الإمام أحمد : حدثنا محمد بن الصباح ، حدثنا إسماعيل بن زكريا ، عن عبد الله ابن عثمان ، عن أبي الطفيل ، عن ابن عباس ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزل مر الظهران من عمرته بلغ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن قريشا تقول : ما يتباعثون من العجف ( 1 ) . فقال أصحابه : لو انتحرنا من ظهرنا فأكلنا من لحومه وحسونا من مرقه أصبحنا غدا حين ندخل على القوم وبنا جمامة ( 2 ) ، فقال : " لا تفعلوا ولكن اجمعوا لي من أزوادكم " فجمعوا له وبسطوا الأنطاع فأكلوا حتى تركوا ، وحشا كل واحد منهم في جرابه . ثم أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى دخل المسجد وقعدت قريش نحو الحجر ، فاضطبع بردائه ثم قال : " لا يرى القوم فيكم غميزة " فاستلم الركن ثم رمل حتى إذا تغيب بالركن اليماني مشى إلى الركن الأسود ، فقالت قريش : ما يرضون بالمشي أما إنهم لينفرون نفر الظباء ! ففعل ذلك ثلاثة أطواف فكانت سنة . قال أبو الطفيل : وأخبرني ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل ذلك في حجة الوداع . تفرد به أحمد من هذا الوجه . وقال أبو داود ، حدثنا أبو سلمة موسى ، حدثنا حماد - يعني ابن سلمة - أنبأنا أبو عاصم الغنوي ، عن أبي الطفيل قال : قلت لابن عباس : يزعم قومك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد رمل بالبيت وأن ذلك سنة ؟ فقال : صدقوا وكذبوا . قلت : ما صدقوا وما كذبوا ؟ قال : صدقوا ، رمل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكذبوا ليس بسنة ، إن قريشا زمن الحديبية قالت : دعوا محمدا وأصحابه حتى يموتوا موت

--> ( 1 ) العجف : الهزال . ( 2 ) جمامة : بقية من قوة .